لماذا صمت الأئمة وخرج الحسين عليه السلام؟
الإمامة حاكمية إلهية مطلقة لم تُمنح لأي نبي أو إمام في زمانه ليطبقها بشكل شامل؛ ومن هنا نفهم صمت الأئمة، وخروج الحسين، وعلة الرجعة.

رفاق القراءةالراوي يشرح، علي يسأل ما قد يخطر ببالك، وزينب تلخّص أهم ما مرّ.
في هذا المقال

علي يسأل
لماذا التزم معظم الأئمة بالصمت والتقية في أزمانهم، بينما اختار الإمام الحسين عليه السلام المواجهة والخروج، حتى انتهى الأمر بتلك المأساة الدامية في كربلاء؟
تخيل معي حين نقرأ التاريخ الإسلامي بتمعّن، نجد هذا السؤال الكبير يفرض نفسه بقوة على كل باحث وعاقل.
اليوم سنغوص معاً في تفسير جريء وعميق، بلغة بسيطة وواضحة بعيدة عن التعقيد، يكشف لنا سر هذا التباين الكبير، وما علاقة ذلك بحقيقة الإمامة ومفهوم الرجعة والدور المحوري لصاحب الأمر.
ما الإمامة في جوهرها؟
في البداية دعنا نصحح مفهوم شائع جداً بين الناس: كثيرون يظنون أن كلمة الإمامة تعني مجرد رئاسة دينية، أو زعامة روحية، أو قيادة سياسية لإدارة شؤون الدولة كأي حاكم عادي. لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير.
الفكرة الأساسية
الإمامة في جوهرها الحقيقي هي حاكمية إلهية مطلقة على السماوات والأرض وذرات الكون بأسره. وهذه الحاكمية المطلقة لم تُمنَح لأي نبي أو إمام في زمانه ليطبقها بشكل شامل.

علي يسأل
ولماذا لم تُمنح لهم ليطبقوها؟

الراوي
السبب بسيط ومنطقي: العالم لم يكن قد وصل بعد إلى الشرط الإلهي المحدد، وهو امتلاء الأرض ظلماً وجوراً وفساداً لكي يأتي من يملأها قسطاً وعدلاً.
لكل زمانٍ بيعته وتكليفه
من هذه الزاوية نفهم أن لكل زمان بيعة زمنية وتكليفاً محدداً يتناسب مع ظروفه:
- النبي محمد صلى الله عليه وآله أدى رسالته وبلغ الوحي.
- الإمام علي التزم بالصبر وحافظ على أصل الإسلام.
- الإمام الحسن عاهد ليحقن الدماء.
- الإمام زين العابدين لزم بيته وتفرغ للعبادة.
الفكرة الأساسية
كل هؤلاء المعصومين كانوا مقيدين بظروف أزمانهم ومأمورين بالتقيّة والصبر، لأن أوان إقامة العدل الشامل لم يحن بعد.
وفكر معي: لو أقام أحدهم العدل المطلق في زمانه لانتفت الحاجة لبقية الأئمة، ولتوقفت عجلة الاختبار البشري، ولما اكتمل المسار التاريخي المرسوم للبشرية.
خيار الحسين عليه السلام
هنا نصل إلى الموقف الفريد والاستثنائي للإمام الحسين عليه السلام، فقد وُضع الحسين أمام خيارين مصيريين لا ثالث لهما:
- الخيار الأول: أن يلتزم بالتقيّة ويسكت كما فعل من سبقه ومن لحقه من الأئمة، وهو أمر جائز ومشروع لحفظ النفس.
- والخيار الثاني: أن يرفض البيعة للظالم ويخرج للمواجهة وتغيير الواقع.
ولأن الحسين يمثل قمة الإباء ورفض الظلم اختار الخيار الثاني، وهو قرار عظيم جعله سيد شباب أهل الجنة. لكنه في الوقت ذاته كان بمثابة محاولة للقيام بدور التغيير الشامل وإقامة دولة العدل قبل أوانها، وهو الدور المخصص حصرياً لصاحب الأمر الإمام المهدي.
وهنا يتجلّى المعنى العميق للأثر المروي عن أهل البيت:
لا يخرج واحد منّا قبل خروج القائم إلا كان مثله مثل فرخ طار من وكره قبل أن يستوي جناحاه
الفكرة الأساسية
الحسين لم يخطئ في رفضه للظلم، بل كانت تلك قمة عبادته، لكنه واجه عالماً لم يتهيّأ بعد للعدل المطلق.
فكانت النتيجة الحتمية والمأساوية في رمضاء كربلاء هي العاقبة الطبيعية لمواجهة هذا الواقع قبل اكتمال شروط الظهور.

علي يسأل
وماذا لو انتصر عسكرياً في ذلك الوقت؟

الراوي
حتى لو انتصر عسكرياً في ذلك الوقت لما استطاع أن يحكم كإمامٍ يفرض العدل في كل بقاع الأرض، لأن سلسلة الخلافة الإلهية كانت قد عُطّلت منذ البداية، ولأن البشرية لم تبلغ ذروة الفساد بعد.

زينب تلخّص
لاحظ أن الصورة اكتملت تقريباً: الإمامة حاكمية مطلقة لم تُمنح لأحد ليطبقها بشكل شامل قبل أوانها، ولكل إمام تكليف زمانه، والحسين رفض الظلم في عالم لم يتهيأ بعد للعدل المطلق.
علّة الرجعة والبيعة المطلقة
وهذا يقودنا مباشرة إلى السر الأكبر، وهو علة الرجعة والبيعة المطلقة.

علي يسأل
إذا لم يتمكن الأنبياء والأئمة من إقامة العدل الشامل في أزمانهم، فهل يعني ذلك أن رسالتهم لم تكتمل؟

الراوي
نعم، دين الأنبياء والمعصومين رغم عظمتهم وقداستهم لا يكتمل أثره الفعلي في الأرض إلا في زمن صاحب الأمر.
الفكرة الأساسية
الرجعة ليست لكي يعود الأنبياء والأئمة ليمارسوا مهامّهم السابقة أو يحكموا من جديد، بل يعودون جميعاً، من آدم إلى خاتم الأنبياء والأئمة المعصومين، ليجتمعوا تحت راية واحدة ويعلنوا البيعة المطلقة لصاحب الأمر.
تأمل هذا المشهد المهيب: مائة وأربعة وعشرون ألف نبي، ومعهم الأوصياء والمعصومون، يقفون جميعاً ليبايعوا القائد الذي يملك وحده الصلاحية الكاملة لإقامة حكم الله الواحد في الأرض، والاقتصاص لكل مظلوم منذ بدء الخليقة وحتى اليوم.
عندها فقط تتوحد البشرية، ويصبح الدين واحداً والقانون واحداً، ويكتمل إيمان الأولين والآخرين برؤية الوعد الإلهي يتحقق على أرض الواقع.
الخلاصة
خلاصة في نقاط
- الإمامة حاكمية إلهية مطلقة، لم تُمنح لأي نبي أو إمام ليطبقها بشكل شامل في زمانه.
- لكل زمان بيعته وتكليفه، فصبر الأئمة وتقيتهم لم يكن ضعفاً أو تراجعاً.
- خروج الحسين قمة رفض الظلم، في عالم لم يتهيأ بعد للعدل المطلق.
- الرجعة لكي يجتمع الأنبياء والأئمة تحت راية واحدة ويبايعوا صاحب الأمر.

الراوي
يا صديقي، ما جرى في كربلاء لم يكن هزيمة، وما التزمه بقية الأئمة من صبر وتقية لم يكن ضعفاً أو تراجعاً، بل كانت كلها أدواراً مقدرة ضمن مسار إلهي دقيق ومحكم، يمهد للحظة الكبرى التي يكتمل فيها الدين، وتتوحد فيها البشرية والأنبياء خلف قائد واحد يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.
في أمان الله.
سؤال للتأمل
إذا كان الحسين سيعود ليقف تحت راية صاحب الأمر، فكيف تكون عودته؟ ومتى؟ وما دوره فيها؟ تجد التفاصيل في مقال عودة الإمام الحسين: جندي وداعية لصاحب الأمر.


