سرّ عجز الأنبياء عن إقامة العدل الشامل
لا نقصد بالعجز الانتقاص من مقام الأنبياء والأئمة، بل محدودية الصلاحيات والظروف التي وُضعوا فيها؛ فللعدل الشامل وقتٌ محدد وقائدٌ بيده جميع الصلاحيات.

رفاق القراءةالراوي يشرح، علي يسأل ما قد يخطر ببالك، وزينب تلخّص أهم ما مرّ.
في هذا المقال

علي يسأل
لماذا لم يتمكن ١٢٤ ألف نبي من القضاء على الظلم بشكلٍ نهائي؟
تخيل معي لو فتحت أي كتاب في التاريخ، فستجد قصة واحدة تتكرر منذ بداية الخليقة وحتى اليوم: يرسل الله أنبياء ومصلحين لنشر العدل، فيحاربهم الناس، ثم يرحل النبي، فتعود الدنيا إلى الظلم والفساد وكأن شيئاً لم يكن.
اليوم سنتحدث في موضوع جريء ومهم، ولكن بلغة بسيطة وواضحة بعيدة عن التعقيد: ما المقصود بعجز الأنبياء والأوصياء عن إقامة العدل الشامل، وما السرّ الكامن وراء ذلك؟
ماذا نقصد بالعجز؟
في البداية دعنا نتفق على نقطة في غاية الأهمية حتى لا يُفهم الكلام على نحو خاطئ:
الفكرة الأساسية
حين نقول «عجز» أو «فشل» في تحقيق العدل الكامل، فإننا لا نقصد أبداً الانتقاص من مقام الأنبياء والأئمة، فهم أعظم خلق الله وأطهرهم. إنما المقصود هو محدودية الصلاحيات والظروف التي وُضعوا فيها.
مثال للتقريب
الطبيب المقيّد
الأمر يشبه الطبيب الماهر الذي يدخل غرفة العمليات لكن يديه مقيدتان ولا يملك الأدوات. هو طبيب عبقري بلا شك، لكنه لا يستطيع إجراء العملية لأن الظروف تمنعه.
فالأنبياء والأئمة كانوا يواجهون مجتمعات رافضة، ويُطالَبون طوال الوقت بتقديم المعجزات والأدلة، وفوق ذلك كانوا مقيدين بظروف زمانهم ومأمورين بالصبر أو التقية.
شواهد من التاريخ
دعنا نأخذ أمثلة بسيطة تقرب لنا الصورة.
أولاً: لقد بعث الله ١٢٤ ألف نبي و٢٤ ألف وصي، أي ما يقارب ربع مليون مصلح معصوم، ومع ذلك لم يأتِ يوم أصبحت فيه الكرة الأرضية بأكملها عادلة وخالية من الظلم.
ثانياً: انظر إلى نبي الله لوط عليه السلام؛ هو نبي مرسل تتنزل عليه الملائكة وتخاطبه، لكن مجتمعه كان غارقاً في الفساد لدرجة أنه لم يستطع تغيير أهل مدينته ولا حتى هداية زوجته وابنه.
ثالثاً: انظر إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله؛ قضى ٢٣ سنة يتعب ويجاهد ويريهم المعجزات، وفي النهاية حين وصل إلى فراش الموت منعوه حتى من كتابة وصيته، ومن بعده انقلبت الأمور وانحرفت الأمة.
رابعاً: انظر إلى الأئمة عليهم السلام؛ لقد اضطُرّ الإمام علي إلى الصبر والسكوت ليحافظ على أصل الدين، وكان التكليف الإلهي للإمام زين العابدين: «الزم بيتك واصمت».

علي يسأل
ألم تكن أمنية الإمام زين العابدين أن يملأ الأرض عدلاً؟

الراوي
بلى بالتأكيد، لكن صلاحياته في ذلك الوقت كانت محدودة، ولم يكن مأموراً بالثورة وتغيير العالم بالقوة.

زينب تلخّص
لاحظ أن الشواهد الأربعة تقول الشيء نفسه: لم يكن النقص في الأنبياء والأئمة، بل في الصلاحيات المتاحة لهم والظروف التي واجهوها.
السؤال الكبير: ما الجدوى؟

علي يسأل
إذا لم يتمكن كلُّ هؤلاء الأنبياء من فرض العدل، ومات كلُّ أولئك المظلومون دون أن ينالوا حقوقهم، فما الجدوى من هذه الدنيا إذن؟
هذا سؤال منطقي للغاية سيتبادر إلى ذهن أي إنسان بسيط. ألا يدفع هذا الأمر الإنسان إلى التشكيك في عدالة الله، والظن بأن الخلق بات عبثاً؟
السرّ العظيم: صاحب الأمر
الإجابة هنا تكمن في السر العظيم لوجود الإمام المهدي صاحب الأمر عليه السلام.
الفكرة الأساسية
أراد الله أن تمرّ البشرية جمعاء بهذه التجربة الطويلة ليثبت للجميع أن البشر وحدهم، وحتى الأنبياء بصلاحياتهم المحدودة في تلك الأزمان، لا يمكنهم فرض العدل المطلق دون امتلاك السلطة المطلقة.

الراوي
فصاحب الأمر حين يظهر لن يأتي كالأنبياء السابقين يستجدي الناس ليصدقوه، أو يقدم لهم المعجزات ويصبر على أذاهم. كلا، بل سيأتي بالسلطة الإلهية الكاملة ليفرض الحق والعدل بالقوة، ويأخذ بثأر كل نبي وكل إمام وكل إنسان ظُلم منذ بدء الخليقة وحتى اليوم.
الخلاصة
خلاصة في نقاط
- العجز المقصود ليس نقصاً في الأنبياء والأئمة، بل محدودية الصلاحيات والظروف.
- شواهد التاريخ، من لوط إلى النبي محمد والأئمة، تؤكد ذلك.
- البشر وحدهم، حتى بصلاحيات الأنبياء المحدودة، لا يمكنهم فرض العدل المطلق دون السلطة المطلقة.
- صاحب الأمر يأتي بالسلطة الإلهية الكاملة ليفرض الحق والعدل.

الراوي
يا صديقي، ما جرى في التاريخ لم يكن عبثاً، ولم يكن نقصاً في الأنبياء، بل كان تمهيداً إلهياً لندرك أن للعدل الشامل وقتاً محدداً وقائداً محدداً بيده جميع الصلاحيات، وهو صاحب الأمر.
عندها فقط ستكتمل الصورة، وسندرك أن عدالة الله لا تضيع حق أي مظلوم.
سؤال للتأمل
إذا كان الأئمة مأمورين بالصبر والتقية لأن صلاحياتهم كانت محدودة، فلماذا اختار الإمام الحسين المواجهة والخروج؟ هذا ما نتابعه في المقال التالي: لماذا صمت الأئمة وخرج الحسين؟


